سيدتي الكريمة :
اليوم اعود ، لا لأني أدمنت عقاقير الوعود التي كنت أتعاطاها ، فهي - كما أخبرتك - لم تكن سوى مهدئات ، لا يلبث مفعولها أن يذهب سريعاً ، ليعود الألم أشد وأقسى، وكم تناولت تلك الحقنة من يدك الكريمة .
لكني أعود لأقف على جرحي بكبرياء ، أعود لأسخر من سذاجتي يوم أحببتك بصدق . أعود لأسخر من ظنوني ، وما أدراك ما ظنوني ؟
يوماً ما ظننتك غير كل النساء ، ظننتك فرحاً لا تتسع له القلوب ، وأملاً لا تحتمله الأحلام ، ظننتك وفاءًا لا يبرحه الصدق ، وابتسامةً خلقت لشفتي وحدي .
يوم ذاك كنت أجمع أحلامي في صندوق أخضر لألقي به في بحر من الفرح. يوم ذاك كانت سمائي تمتلئ بطيورٍ من الأمنيات ، وبغيومٍ حالمة ، وبنجومٍ ليست كالنجوم .
لماذا استدرجتني إلى تلك الحفرة التي لا قرار لها ؟ بأكاذيب مموهةٍ بالصدق ، وأشواقٍ مزورةٍ ،ووعودٍ مشوهة . لماذا كذبتِ عليّ ؟ وقلتِ لي: إنّ نصف الخريطة الآخر في عينيك ؟ ،
حتى تلك القاعة التي منحتنيها من قلبك لأنشد فيها أشعاري ،كانت قاعةً فارغةً . إلا من تلك المرايا التي ترسم لك وجهكِ فقط ، ولا ترسم ملامحي.
أعود لأني لا أحتاجكِ . أنا أحتاج إلى جراحةٍ معنويةٍ تستأصل ما بقى من ذكرى مؤلمةٍ تورمت في زوايا روحي . أحتاج إلى عاصفةٍ تسقط كل أوراقي التي نبتت على يديك ، أحتاج إلى من يسرقني منكِ ، ويلقى بكل رسائلكِ إلى النار لعلي أتحرر ، حين انفض عن ذاكرتي غباركِ الأليم .
أعلم أنك لستِ أول من يطرق هذا القلب،ليدق فيه مسماراً يعلق عليه أكاذيبه. أو يتلاعب بمشاعره، وعواطفه ، يضحكها حيناً ويبكيها أحياناً كثيرة ، عبثاً وتسليةً.
اليوم انتهت مدة العرض المسرحي ، وانصرف ذلك الجمهور الذي كان يصفق لكِ .ولكني تأخرتُ عنهم لأقول لكِ : كم كنتِ رائعة وأنت تستخرجين حمائم الفرح من قبعتك السحرية ، واحدةً تلو الأخرى ، في لحظاتٍ تشبه الحقيقة ، وبإتقانٍ لا يملكه كثيرٌ من المهرجين .
تأخرتُ عنهم ، لأقول لكِ : كم كنت بارعة وأنت تقتحمين عشرات الحرائق لكنك لا تحترقين ، حين يحترق بها أشد معجبيك .
تأخرتُ عنهم ، لأقول لكِ : أنه لم يعد يغريني صوتكِ البنفسجي ، فمنذ أن سقطت أشعة الحقيقة في عينيّ. أصبتُ بعمى الألوان . فاستبدلت عناويني ، قبل ان استبدل عيوني.
نعم ، انتهت مدة العرض ، لذا عليكِ أن تتجردي من ثيابكِ المسرحية وأقنعتكِ التي فرضها عليكِ دورك البطولي ، وحنينكِ إلى الخلود عبر قصائدي ، تلك القصائد التي لم تلبسي مثلها قط ، مع أني لا أرى في تلك القصائد منكِ إلا آثار أقدامكِ على أوراقي ، وبقيةً من رماد تلك الحرائق فوق أصابعي ،
أعلمُ أنها خطيئتي ! حين تركتُ قلبي في مدائنَ لا تعرف الطفولة .
عذراً لقسوتي أيتها السيدة :
لأني لا استطيع أن اترك جرحاً يبكي في داخلي وابتسم لك ،
عذراً لقسوتي :
فأنا لست إله يعيد الحياة إلى الموتى ، حين تعجز القيامة أن تبعث حباً مات في قلب رجل . هذا ليس كل شيء ،أيتها السيدة:
ففي نفسي منكِ ، ما لا يسيل مع الحبر!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق